لم تكن النخبة العربية الحديثة مجرد طبقة اجتماعية تتمتع بامتيازات مادية وتعليمية، بل كانت ظاهرة أنثروبولوجية فريدة – كائنات هجينة ولدت من رحم الصدمة الحضارية التي أحدثها الاحتكاك بالغرب.
عاشت هذه النخبة اغتراباً مزدوجاً: اغتراباً عن تراثها الذي تخلت عنه تحت ضغط مشروع التحديث، واغتراباً عن الغرب الذي قلدته لكنها ظلت على هامشه. أنتج هذا الوضع الوجودي الفريد كائنات اجتماعية تحمل تناقضات عميقة في تكوينها، مما يعكس المعضلة الحضارية الكبرى للأمة العربية في عصرها الحديث.
1. تعليم المتشرذمين: المصنع الذي صاغ الهوية المنقسمة
كان التعليم الغربي، أو التعليم القائم على النموذج الغربي، هو الآلية الأساسية لإنتاج هذه الهوية الجديدة المنفصلة. لم يكن مجرد نقل للمعرفة، بل عملية جذرية لإعادة تشكيل العقل والنفس. كان الطالب الذي درس في الجامعة الأمريكية أو المدارس الفرنسية في بيروت والقاهرة، أو حتى الذي تلقى تعليماً محلياً بمناهج مستوردة، يمر بعملية استعمار ثقافي طوعي. لقد تعلموا النظر إلى تراثهم من منظور غربي، وتقييم نجاحهم وفقاً للمعايير الغربية، والحلم بمستقبل مصمم على الصورة الغربية.
لم يقتصر هذا التعليم على تخريج مهندسين وأطباء فحسب، بل أنتج عقولًا منقسمة تحمل في طياتها شرخًا لم يندمل: عقل يفكر بالإنجليزية أو الفرنسية، وقلب قد يتحدث أحيانًا بلغة العاطفة العربية. عقل يتعامل مع العالم بمنطق العقلانية الغربية، ولكنه يعيش في مجتمع لا يزال ينبض بالكثير من المنطق العاطفي التقليدي والجماعي. هذا الشرخ الداخلي هو ما جعل النخبة تبدو غريبة في وطنها، تتحدث لغة لا يفهمها الناس، وتحلم أحلامًا لا معنى لها بالنسبة لها.

2. جغرافية العزلة: الأحياء الطبقية كقفص ذهبي
لم يكن السكن في أحياء معزولة – مثل الزمالك في القاهرة، والمالكي في دمشق، والأشرفية في بيروت – مجرد خيار سكني، بل كان تعبيرًا ماديًا عن الهوة الوجودية. تحولت هذه الأحياء إلى جزر طبقية مغلقة، تعيش وفقًا لقوانينها الخاصة، وثقافتها الخاصة، وحتى مفهومها الخاص للوقت. هنا، كان بإمكان النخبة أن تعيش كما لو كانت في أوروبا مصغرة، بعيدًا عن صخب الأسواق الشعبية، واكتظاظ الأحياء الفقيرة، وثقل التقاليد الاجتماعية.
كان هذا العزل المكاني ضرورة نفسية للنخبة، إذ سمح لهم بالتعايش مع تناقضاتهم في سلام نسبي.
في الحي الراقي، كان بإمكان المرأة الخروج بملابس غربية دون خوف، وكان بإمكان الشاب الاستماع إلى الموسيقى الغربية دون اتهام، وكان بإمكان الأسرة أن تعيش حياة “عصرية” دون تدقيق الجيران. مع ذلك، كان هذا العزل أيضًا بمثابة قفص ذهبي، يفصل النخبة عن واقع مجتمعهم ويغذي وهم أن ما يعيشونه في جزيرتهم المعزولة هو مستقبل الأمة بأسرها.
3. لغة الاغتراب: عندما تصبح اللهجة الأجنبية علامة هوية
لم تكن اللغة مجرد وسيلة للتواصل؛ بل أصبحت أداة للفصل الطبقي وعلامة هوية مصممة. لم يكن التحدث بالفرنسية أو الإنجليزية في المنزل والعمل ضرورة عملية فحسب، بل كان تعبيرًا صارخًا عن انتماء حضاري جديد. كانت العائلة التي تتحدث لغة أجنبية في منزلها تقول، ربما دون وعي: “نحن مختلفون، نحن متحضرون، نحن ننتمي إلى العالم الجديد”.
كان لهذا التحول اللغوي أثر مدمر على التواصل. فقدت النخبة تدريجياً القدرة على التحدث بلغة عامة الناس، لغة الشارع، لغة الحياة اليومية المشتركة. أصبح خطابهم السياسي والثقافي جافاً ومنفصلاً عن الواقع، وغالباً ما كانوا يترجمون الأفكار الغربية إلى لغة عربية كلاسيكية خالية من الروح. بدأت النخبة تشعر بالاغتراب حتى عند التحدث بالعربية، لأن لغتهم العربية أصبحت لغة العمل، لا لغة القلب؛ لغة التقارير، لا لغة القصص.
4. الثلاثية المأساوية: التفتت، والعزلة، وفقدان الشرعية
أنتجت هذه الآليات مجتمعةً نخبةً تعيش أزمة وجودية متعددة الأوجه، يمكن تلخيصها في ثلاثية مأساوية:
هوية مجزأة وانتماء مزدوج: تعيش النخبة ازدواجية تشبه ارتداء الأقنعة. في المحافل العالمية، يُقدّمون أنفسهم كحاملين لرسالة حضارية عربية إسلامية، بينما يتحوّلون في الداخل إلى أفراد “متحضرين” ينظرون بازدراء إلى “تخلف” مجتمعاتهم. هذه الازدواجية تعبير عن حيرة كيان ليس شرقيًا أصيلًا ولا غربيًا حقيقيًا، مدركًا أنه في الخارج سيبقى “الآخر”، وفي الداخل سيبقى “غريبًا”.
الاغتراب الثقافي: لا شرقي ولا غربي: تعيش النخبة في منطقة رمادية. من التراث، استقوا اللغة والشكل، لكنهم فقدوا الروح والمعنى. من الغرب، استقوا الأدوات والمنهجيات، لكنهم لم يكتسبوا الجذور والتجربة المعيشية. هذا يخلق كيانًا ثقافيًا هجينًا، يعرف عن كانط وهيغل أكثر مما يعرف عن الغزالي وابن رشد، ومع ذلك تبقى معرفته بالغرب سطحية واستهلاكية – معرفة قارئ، لا ابنًا بارًا.
فقدان الشرعية: النخبة كأقلية معزولة: إن أخطر نتائج هذا المسار هو فقدان الشرعية كقادة ثقافيين. فالنخبة، التي كان من المفترض أن تقود مجتمعها نحو التحديث، تجد نفسها معزولة عنه، تتحدث لغةً لا يفهمها الناس، وتثير قضايا لا تعنيها. وهكذا، تتحول من طليعة التغيير إلى نادٍ مغلق يتحدث مع نفسه، ويصبح إنتاجها الثقافي صدىً للأفكار الغربية أكثر من كونه تعبيرًا عن هموم محلية، فتفقد شرعيتها كـ”ضمير الأمة”.
٥. التشخيص: لماذا فشل المشروع؟ خطأ في المعادلة الوجودية
تكمن المأساة الكبرى في قصة النخبة المُغتربة في فشلها في مهمتها التاريخية كطليعة للتحديث. لم يكن هذا الفشل ناتجًا عن نقص في الكفاءة، بل عن خطأ جوهري في التشخيص: فقد اعتقدت النخبة أن التحديث يعني قطع العلاقات مع الماضي، بينما هي في الواقع بحاجة إلى حوار معه.
اعتقدوا أن التقدم يعني تقليد الغرب، بينما هو بحاجة إلى إبداع أصيل. اعتقدوا أن الانفتاح يعني رفض التراث، بينما هو بحاجة إلى فهمه وتفسيره بشكل إبداعي. وكانت النتيجة نخبة مُعلقة بين عالمين، لا هي عربية أصيلة ولا غربية حقيقية، تحمل في طياتها انقسامًا وجودياً ينعكس في جميع سماتها.
٦. نحو شرعية جديدة: ملامح النخبة المنشودة
إن الخروج من هذه المعضلة لا يعني العودة إلى الماضي ولا الاستسلام الكامل للغرب، بل يعني ميلاد نخبة جديدة تستفيد من دروس الماضي. نخبةٌ تتسم بما يلي:
متجذرة في تراثها ومنفتحة على العالم: تفهم تراثها لا كمتحفٍ للماضي، بل كمصادر إلهامٍ حية.
ناقدةٌ لمجتمعها ومحبةٌ له: تنتقد التخلف والركود انطلاقًا من شعورها بالانتماء وفهمها العميق للهموم الحقيقية.
متواضعةٌ فكريًا: تُقرّ بأن المعرفة الغربية ليست الحقيقة المطلقة، وأن التراث ليس جهلًا مطلقًا.
متجذرةٌ في أصالة الحداثة: لا تستوردها كمنتجاتٍ جاهزة، بل تُبدعها من خلال حوارٍ بنّاء بين تراثها وواقعها والتطورات المعاصرة.
الخلاصة: العودة شرطٌ للقيادة
على النخبة التي ترغب في قيادة مجتمعها أن تعود إليه أولاً – ليس جغرافياً فحسب، بل نفسيًا وثقافياً أيضاً. عليها أن تنزل من أبراجها العاجية وتصغي إلى نبض الشارع وهموم الناس. لا تُمنح الشرعية بشهاداتٍ أجنبية أو خطابٍ مُغَرِّب، بل تُكتسب من خلال الانتماء الحقيقي والفهم العميق والخدمة المخلصة. لا يمكن إلا لنخبةٍ كهذه، ترفض أن تكون مجرد نسخةٍ رديئةٍ من ماضي الغرب، أن تقود مجتمعاتها نحو مستقبلٍ أصيلٍ من صنعها.
محمد حمدان كاتب سوري، يركز بحثه على التراث وعلم الاجتماع الثقافي.
