في أعقاب أربعة عشر عاماً من المآساة وسفك الدم التي اجتاحت سوريا، يبرز سؤال مصيري: كيف يمكن للمجتمع السوري أن ينهض من تحت ركام الحرب؟ الإجابة تتجاوز بكثير عملية إعادة إعمار المباني والبنى التحتية، فالأمر الجوهري يتمثل في إعادة بناء العقل الجمعي السوري.

إن التحدي الحقيقي لا يكمن في إزالة الأنقاض المادية فحسب، بل في تطهير الذاكرة الوطنية من سموم الخوف والكراهية خلفها نظام الأسد (الأب والإبن)، وفي تحرير الهوية من أسر الانتماءات الضيقة، وفي تحويل التجربة الأليمة إلى رصيد حكمة يُستفاد منه في بناء مستقبل أكثر إشراقاً.

التحولات الجوهرية: من الخوف إلى الفهم، ومن الهوية الجامدة إلى الهوية المتعددة

تشير الرؤية الفلسفية المستندة إلى فكر سبينوزا إلى أن الحرية الحقيقية لا تعني غياب القيود، بل تعني القدرة على فهم هذه القيود والتحكم بها عبر السببية الداخلية والعقلانية. وبتطبيق هذه الرؤية على الحالة السورية، فإن سوريا الحرة لن تكون تلك الخالية من الخوف تماماً، فهذا ضرب من المستحيل بعد تجربة مريرة كهذه، بل ستكون تلك التي تفهم مصادر خوفها وتتعامل معها بعقلانية، فتحول هذا الخوف من عائق إلى دافع للإبداع والبناء. كما أن سوريا الجديدة لن تنكر تنوعها الثقافي والديني والمجتمعي، بل ستتعرف عليه وتحتضنه لتحوله من مصدر للفرقة إلى مصدر للقوة والثراء الحضاري.

هذا التحول يتطلب إعادة تعريف الهوية السورية ذاتها، فبدلاً من أن تكون الهوية سجناً طائفياً أو إثنياً ضيقاً، يجب أن تتحول إلى خيار حر ومتعدد الأبعاد، يسمح لكل سوري وكل سورية ببناء هوية مركبة تعبر عن انتماءاتهم المتعددة دون تناقض. كما أن الذاكرة الجمعية تحتاج إلى عملية تحول جذرية، فبدلاً من أن تبقى أداة للانتقام واستدعاء الألم، يجب أن تتحول إلى مدرسة تستخرج منها الدروس والعبر، وتصبح منصة للحكمة التي تمنع تكرار المأساة.

تأسيس عقد اجتماعي جديد: من الدولة المفترسة إلى الدولة الحارسة

يكمن أحد الأسباب الجذرية للأزمة السورية في غياب العقد الاجتماعي الحقيقي الذي يربط بين الدولة والمجتمع بروابط الثقة والشرعية. فمنذ لحظة التأسيس الأولى للدولة السورية الحديثة، ورثت هياكل سلطوية استعمارية تحولت مع الوقت من أداة خدمة للمجتمع إلى أداة هيمنة عليه. وقد تكرس هذا النموذج عبر الانقلابات العسكرية المتتالية التي أسست لشرعية السلاح بدلاً من الشرعية الشعبية، ثم بلغ ذروته في حقبة حزب البعث التي حولت الاشتراكية إلى بيروقراطية سلطوية، ودمرت النسيج الاجتماعي التقليدي دون استبداله بمؤسسات حديثة وقوية.

لقد أقام نظام الأسد السابق (الاب والابن) عقداً اجتماعياً وهمياً قائماً على مقايضة “الاستقرار مقابل الحرية”، وهي صفقة غير مكتوبة انهارت بمجرد أن فقد النظام قدرته على توفير الحد الأدنى من الاستقرار والأمان. كما تطورت آليات الهيمنة عبر تحول مؤسسات الأمن من أدوات دفاع عن الوطن إلى أدوات حكم وقمع للمواطنين، وبرزت أشكال جديدة من خصخصة العنف عبر ميلشيات شبه حكومية تعمل خارج نطاق القانون، وتحول القمع نفسه إلى اقتصاد مربح لشبكات مصلحية متحالفة مع السلطة.

ولعل أحد أخطر التحولات التي شهدتها سوريا هو تحول الدولة من مؤسسة وطنية إلى ملكية عائلية، عبر آليات التوريث وخصخصة مؤسسات الدولة وتحويلها إلى ممتلكات عائلية، مما أدى إلى تآكل شرعية النظام حتى لدى قاعدته التقليدية، وعجزه عن القيام بأي إصلاح حقيقي خوفاً من تفكك شبكات المصالح التي يعتمد عليها.

من الفكر إلى الممارسة: خريطة طريق عملية لإعادة البناء

لا تكفي الرؤى الفلسفية العامة لبناء سوريا جديدة فيما بعد 8 ديسمبر 2024، بل تحتاج هذه الرؤى إلى ترجمة عملية على عدة مستويات مترابطة. على المستوى الفكري، يمكن إطلاق مشروع “النهضة العقلانية السورية” الذي يشمل إنشاء معهد للدراسات العقلانية يعيد اكتشاف التراث العربي العقلاني من ابن رشد إلى المعتزلة، وترجمة الأعمال الفلسفية العالمية مثل أعمال سبينوزا مع شروحات تطبيقية على الواقع السوري. كما يمكن تطوير مناهج تعليمية جديدة تدرّس مادة “الفلسفة للمواطنة” في المدارس، وتعتمد كتب التاريخ ذات المنهجية النقدية، وتدرب المعلمين على أساليب الحوار وقبول الاختلاف.

أما على المستوى المجتمعي، فيمكن تنفيذ برنامج “جسور الثقة” الذي يشمل إنشاء مجالس حكمة محلية منتخبة في كل حي وقرية، تضم وجهاء من جميع المكونات، وتتولى حل النزاعات المحلية وتنظيم المشاريع المشتركة. كما يمكن إنشاء أرشيف سوري رقمي يضم شهادات من جميع المناطق والطوائف، وإقامة متاحف إقليمية متنقلة تعرض روايات متعددة للنزاع، وتخصيص يوم وطني للذاكرة لإحياء ذكرى جميع الضحايا. وعلى الصعيد الاقتصادي، يمكن تشجيع التعاونيات الزراعية والتجارية العابرة للطوائف، وتنظيم معارض مشتركة للمنتجات التقليدية من جميع أنحاء سوريا.

وعلى المستوى السياسي، تتطلب المرحلة الانتقالية عملية دستورية تشاركية حقيقية، عبر جمعية تأسيسية تمثل جميع مكونات الشعب السوري، وتقوم بجلسات استماع علنية في جميع المحافظات. ويجب أن يضمن الدستور الجديد آليات مراجعة دستورية تسمح بمشاركة شعبية حقيقية، وتؤسس لمحكمة دستورية عليا مستقلة، وتوفر ضمانات خاصة لحقوق الأقليات في القضايا المصيرية المتعلقة بالهوية. كما يجب أن يرافق ذلك انتقال ديمقراطي حقيقي يشمل إنشاء لجنة انتخابات مستقلة، وتحديد فترة رئاسية واحدة غير قابلة للتجديد، وتمويل الأحزاب من الميزانية العامة بشفافية كاملة.

التحرير الثلاثي: نحو مواطنة حرة وفاعلة

يمكن قراءة عملية إعادة البناء السوري من خلال منظور “التحرير الثلاثي” المستوحى من فلسفة سبينوزا. المستوى الأول هو التحرر من “حراس الهوية المتخيلين” الذين يحصرون الهوية السورية في بعد واحد ضيق. وهذا يتطلب برنامج تحرير هوياتي يشمل حملة وطنية تؤكد على تعدد الهويات، وإلغاء خانة الدين من الوثائق الرسمية، وتشجيع الزواج المختلط دون إعلان طائفي.

المستوى الثاني هو التحرر من “تجار الحرب والكراهية” الذين استفادوا من الصراع وكرسوه لتحقيق مكاسب شخصية. وهذا يستلزم تطبيق عدالة انتقالية اقتصادية تشمل مصادرة أموال الحرب من جميع الأطراف واستثمارها في صندوق إعمار وطني، ومحاسبة الاقتصاديين والمستفيدين الذين ساهموا في تمويل الحرب وإطالة أمدها.

المستوى الثالث والأهم هو التحرر من “الخوف الذي يحول المواطنين إلى رعايا”، عبر مشروع للمواطنة الفاعلة يشمل تدريب آلاف الشباب على القيادة المجتمعية، وإشراكهم في إدارة البلديات والمؤسسات المحلية، وتوفير منح دراسية للطلاب المتميزين من جميع المناطق دون تمييز.
سوريا كمختبر عالمي: فرصة تاريخية لتطوير نموذج إنساني جديد

تمثل سوريا ما بعد النظام الاسدي فرصة تاريخية فريدة لتطوير نموذج إنساني جديد في إدارة التنوع والخروج من الحروب والنزاعات الطائفية. فسوريا يمكن أن تتحول إلى مختبر عالمي حي يختبر إمكانية التعايش في مجتمع متنوع ثقافياً ودينياً، عبر برامج تبادل سكاني طوعي محدود، وبرامج إسكان مشتركة في المناطق المختلطة، وحوافز اقتصادية للشركات المتعددة الطوائف.

كما يمكن لسوريا أن تشكل تحدياً عملياً لنظرية “صراع الحضارات” التي تقدم الصراع باعتباره قدراً حتمياً بين الهويات المختلفة. ويمكن تحقيق ذلك عبر إنشاء مرصد للحوار الحضاري السوري ينظم مؤتمرات دولية حول “نموذج سوريا في إدارة التنوع”، ويطور برامج تبادل مع مجتمعات خرجت من حروب أهلية، ويصدر “الخبرة السورية” في المصالحة الوطنية.

الأهم من ذلك، تتيح سوريا فرصة لتطوير نموذج سياسي جديد يمكن تسميته “الديمقراطية التعددية”، وهو مزيج مبتكر بين الديمقراطية الليبرالية وضمانات خاصة للأقليات، يقوم على لامركزية إدارية واسعة مع الحفاظ على الوحدة الوطنية، واقتصاد سوق اجتماعي يراعي العدالة والتوازن بين المناطق.

ختاماً، فإن بناء سوريا “غير خائفة” مهمة شاقة تتطلب شجاعة فكرية وأخلاقية نادرة، وإرادة سياسية صلبة، ومشاركة شعبية واسعة. لكنها ليست مستحيلة، بل هي ضرورة حتمية للخروج من النفق المظلم الذي دخلته سوريا. فكما علمنا سبينوزا، فإن الحرية الحقيقية ليست في الهروب من القيود، بل في فهمها والتحكم بها عبر العقلانية والحكمة. وهذه بالضبط هي المهمة التاريخية التي تواجه الجيل السوري الحالي. تحويل المأساة إلى فرصة، والتنوع إلى قوة، والخوف إلى حافز للإبداع والبناء.

محمد حسين حمدان: باحث في مجال التراث والدراسات الثقافية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *