تشهد المجتمعات العربية تحولات عميقة في أنظمتها القيمية جراء تداخل عوامل محلية وعالمية. تقدم الدراسة، في نسختها المختصرة، إطاراً تحليلياً لفهم تشكل الهوية الأخلاقية المعاصرة عبر ستة أبعاد متقاطعة: الديني، الوطني، العائلي، المهني، العالمي، والرقمي. تخلص الدراسة إلى أن إدارة التوترات بين هذه الأبعاد تشكل المخرج الواقعي من أزمات الهوية الأخلاقية الراهنة.
في سياق العولمة والتحولات الاجتماعية المتسارعة، تواجه المجتمعات العربية أزمة في الهوية الأخلاقية تتمثل في تفكك النظم القيمية التقليدية وبروز تعددية أخلاقية تجعل الفرد في مواجهة دائمة مع مصادر قيمية متنافسة. لم يعد الفرد يحمل هوية أخلاقية أحادية المصدر، بل أصبح يعيش حالة من “التعددية الأخلاقية الإجبارية” حيث تتقاطع أنظمة قيمية متنافسة في حياته اليومية.
من الهوية الأحادية إلى التعددية المتوترة
تتحول الهوية الأخلاقية من كونها كياناً ثابتاً إلى “بناء ديناميكي” يتم إنتاجه عبر التفاعل الاجتماعي المستمر. في السياق العربي، يقدم مفهوم “الأبوية الجديدة” (شربلي، 1988) إطاراً تفسيرياً لطبيعة التحول، حيث تخلق المجتمعات العربية نظاماً هجيناً يجمع بين أشكال الحداثة والقيم التقليدية، مما ينتج توترات بنيوية على مستوى المؤسسات والقيم.
تحليل الأبعاد الستة
البعد الديني: بين الإيمان الفردي والممارسة الجماعية
يشهد الحقل الديني انزياحاً من الدين كمؤسسة اجتماعية شاملة إلى الدين كخيار فردي. يخلق هذا فجوة بين المعتقد الشخصي والممارسة العامة، حيث يصبح الفرد مسؤولاً عن “تفصيل” أخلاقياته الدينية في مواجهة تيارات تفسيرية متعددة. يرى الجابري (1994) أن أزمة العقل الأخلاقي العربي المعاصرة تنبع من انقطاع التفاعل الحيوي بين النص والتراث والواقع.
البعد الوطني: تفكك الولاء الموحد
يواجه البعد الوطني أزمة وجودية مع صعود الهويات ما دون الوطنية (طائفية، عرقية، جهوية) التي تقدم أطراً أخلاقية بديلة وأحياناً متعارضة مع الإطار الوطني (غليون، 2006). هذا يخلق “صراع ولاءات” أخلاقي حيث تتنازع الواجبات تجاه الجماعة الضيقة والوطن الأوسع.
البعد العائلي: العائلة بين الحصن والتقييد
تتحول العائلة من مؤسسة منتجة للقيم الأخلاقية بصورة شبه حصرية، إلى فضاء للتفاوض بين القيم التقليدية (الواجب، التضامن) وقيم الحداثة (الاستقلالية، الحرية الفردية). دراسات مبارك (2015) الميدانية تؤكد سرعة هذا التحول، مما يولد توتراً في قلب المؤسسة التي كانت تعتبر ملاذاً أخلاقياً.
البعد المهني: ازدواجية المعايير الأخلاقية
ينشأ هذا البعد من التمايز بين “النظام المهني” القائم على الكفاءة والعقلانية، و”النظام المجتمعي” القائم على العلاقات والمحسوبية. يصبح الفرد مطالباً بالانصياع لأخلاقيات مهنية عالمية في بيئة قد لا تحترمها اجتماعياً، مما يخلق ازدواجية أخلاقية مرهقة (لبيب، 2008).
البعد العالمي: التدافع القيمي في فضاء العولمة
يتم استيعاب القيم العالمية (حقوق الإنسان، الديمقراطية، الفردانية) بدرجات متفاوتة، ولكنها تطرح تحدياً للنظم الأخلاقية المحلية. كما يرصد بيات (2013)، لا يحدث هذا على شكل صدام ثقافي مجرد، بل على شكل “ممارسات يومية” يسعى فيها الناس لتلبية حاجات “الحياة العادية”.
البعد الرقمي: التشظي والتمكين في الفضاء الافتراضي
يخلق العالم الرقمي إمكانية لبناء هويات أخلاقية متعددة وقابلة للتجريب. يمكن أن يعزز هذا التحرر من القيود الواقعية، ولكنه قد يؤدي أيضاً إلى تشظي الذات الأخلاقية وانفصام بين السلوك الافتراضي والواقعي (خلف وخلف، 2011).
التفاعل بين الأبعاد: نموذج تكاملي
لا تعمل هذه الأبعاد بمعزل. يشكل تفاعلها “مجالاً أخلاقياً ديناميكياً” يعيد الفرد تشكيله باستمرار. على سبيل المثال، قد يجد شاب عربي:
– توتراً مركباً بين التفسير الديني المحافظ وتطلعاته الفردية المتأثرة بالخطاب العالمي.
– صراع ولاء بين واجبه العائلي وأخلاقيات مهنية حديثة.
– تعابير رقمية عن هذه التوترات عبر هوية افتراضية مختلفة.
تكمن الأزمة ليس في وجود التوترات، بل في غياب الأطر لإدارتها بشكل خلاق. تقترح الدراسة:
1- على المستوى الفردي والتربوي: تعزيز “الكفاءة الأخلاقية التعددية”، أي قدرة الفرد على التنقل بين المنظومات الأخلاقية المختلفة.
2- على المستوى الاجتماعي: بناء “فضاءات حوارية وسيطة” تسمح بالتفاوض الجماعي حول هذه التوترات.
3- على المستوى البحثي: إجراء دراسات إثنوغرافية تتابع كيف يدير الأفراد هذه التوترات في حياتهم اليومية.
قائمة مختصرة بالمراجع:
الجابري، محمد عابد (1994). العقل الأخلاقي العربي. مركز دراسات الوحدة العربية.
بشارة، عزمي (2018). الحرية والدين في المجتمعات العربية. المركز العربي للأبحاث.
غليون، برهان (2006). مسألة الهوية: العروبة والإسلام والغرب. مركز دراسات الوحدة العربية.
لبيب، الطاهر (2008). المجتمع العربي في القرن الحادي والعشرين. مركز دراسات الوحدة العربية.
مبارك، محمود (2015). التحولات القيمية في المجتمع العربي. المعهد العربي للتخطيط.
Bayat, A. (2013). Life as Politics: How Ordinary People Change the Middle East. Stanford University Press.
Sharabi, H. (1988). Neopatriarchy: A Theory of Distorted Change in Arab Society. Oxford University Press.
محمد حسين حمدان، باحث في مجال التراث والدراسات الثقافية.
