“الرئيس أحمد الشرع يتربع على عرش الجاذبية” – عبارات كهذه تغزو منصات التواصل الاجتماعي، حاملةً معها ظاهرةً تأسر كل مراقب للشؤون السياسية والاجتماعية. فمنذ الثامن من ديسمبر، تحوّل قائدٌ يرتدي الزي العسكري إلى شخصية سياسية غير تقليدية، وحدثٍ إعلامي عالمي، يتصدر عناوين الأخبار من واشنطن إلى دبي.
تجاوز الحدود: حيث تلتقي السياسة بالإنسانية
ما يلفت الانتباه هو كيف تتجاوز هذه الظاهرة الحدود السياسية والتقليدية، ممزوجةً الإعجاب السياسي بالجاذبية الإنسانية، والاعتراف الرسمي بالانبهار الشعبي. وكأن الرئيس الشرع قد اخترق بسهولة الحواجز الثقافية والسياسية، متحولاً من رئيس دولة إلى رمز إعلامي يثير الفضول والإعجاب في آنٍ واحد.
لغز التحوّل
يُطرح السؤال: كيف أصبح هذا الرئيس ظاهرةً بهذه السرعة؟ ما سرّ قدرته على جذب انتباه وسائل الإعلام العالمية بهذه الطريقة اللافتة؟ قد يكمن الحل في فهم عميق للتحولات التي يشهدها العصر الرقمي وعلم النفس الجماهيري الحديث، حيث لم تعد السياسة مجرد برامج وأيديولوجيات، بل أصبحت مسرحًا للصور والرموز والإنسانية.
عصر الصور
في عصر الصور ووسائل التواصل الاجتماعي، لم يعد النجاح السياسي كافيًا. يجب على القائد الآن أن يجسد “ظاهرة” بكل ما تحمله الكلمة من معنى. بذكاءٍ لافت، جسّد الشرع هذه المعادلة الجديدة، محولًا حضوره السياسي إلى قصة إنسانية مؤثرة، ورحلته الجهادية إلى أسطورة معاصرة، وشخصيته إلى نموذج للقائد الذي يجمع بين الثبات والأناقة.
لوبون والجماهير
قد تكمن مفاتيح فهم هذا في كتاب غوستاف لوبون “الجماهير: دراسة للعقل الشعبي”، الذي نُشر منذ أكثر من قرن. ما يحدث اليوم مع الشرع يبدو تطبيقًا عمليًا لنظريات لوبون حول علم النفس الجماهيري وآليات التأثير.
من مطلوب للعدالة إلى نجم عالمي
هذه قصة تحوّل مذهل، من رجل كان على قوائم المطلوبين إلى شخصية دولية تخطو بثقة على السجادة الحمراء في البيت الأبيض والكرملين. لم يكن هذا التغيير وليد الصدفة، بل إعادة صياغة مُحكمة لصورة الزعيم العربي في القرن الحادي والعشرين.
بين الأناقة والسلطة
يطلّ الشرع على الساحة الدولية ببدلات أنيقة وشعر مصفف إلى الخلف، كما وصفته تقارير بي بي سي، في تحوّل جذري لرجل كان مُدرجاً على قائمة المطلوبين. لم يكن هذا التغيير عشوائياً، بل يبدو أنه سرد مُوجّه بدقة للزعيم العربي المعاصر، قصة تُعيد تعريف “الهيبة” بمزجها بين قوة المنصب وجاذبية الشخصية.
ماضٍ نضالي كمصدر قوة
يُضفي ماضي الرئيس الشرع الجهادي عمقًا على هذه الصورة، وهو عامل حاسم في بناء شخصيته. لم يعد ماضيه العسكري والثوري عائقاً في هذا العصر الجديد، بل أصبح رصيداً للمصداقية والقوة. وهذا ما يفسر حيرة العديد من الصحفيين إزاء الإعجاب الواضح – لفظياً وإيماءً وتعبيراً – الذي أبداه سياسيون من كلا الجنسين عند لقائهم الرئيس الشرع. فالأمر لا يتعلق بالوسامة أو الأناقة فحسب، بل بقوة الشخصية المتجذرة في تاريخ حافل بالنضال.
عندما يتحول السؤال إلى إجابة
عندما سأله أحد محاوري برنامج “60 دقيقة” عن وصف ترامب له بأنه “وسيم، قوي، وذو ماضٍ حافل”، أجاب مبتسماً: “أتشك في ذلك؟”. تجسد هذه الإجابة الموجزة ما أسماه لوبون “التأكيد”، وهو أحد أقوى أدوات التأثير على الجماهير. إنه ليس مجرد ثقة بالنفس، بل بناء متعمد لصورة قائد لا يشك أبداً في مكانته، يدفع الجماهير إلى الاقتداء به.
العطر والضحك
لحظة رشّ الرئيس ترامب عطراً على الرئيس السوري في البيت الأبيض، قائلاً: “هذا عطر رجالي… إنه الأفضل”، ثم سأله مازحًا: “كم زوجة لديك؟ واحدة؟” فابتسم الرئيس السوري وأجاب: “واحدة”، قبل أن يضحكا معاً – انتشرت هذه اللحظة الإنسانية كالنار في الهشيم. أطلق لوبون على هذه الظاهرة اسم “العدوى”، حيث تنتشر المشاعر والصور بين الجماهير كالمرض، محولةً السياسي من مجرد مسؤول إلى شخصية إنسانية قريبة من الناس، قادرة على التواصل العاطفي.
قائد جديد لعصر جديد
لم يعد نموذج القائد العربي محصوراً في الشخصية الكاريزمية التي تبرز من الريف أو الثكنات العسكرية، كما رأينا في تاريخ جمال عبد الناصر وأنور السادات وغيرهما من شخصيات العصر الثوري. بل إن الشرع، إلى جانب نظرائه كأمير قطر وولي عهد السعودية، يبشر بميلاد نموذج قيادي جديد. هو ابن عائلة متعلمة من الطبقة المتوسطة العليا، وصاحب رؤية يجمع الإرث السياسي التقليدي مع عبقرية العصر الرقمي، ليشكل حلقة وصل بين جمود الصراعات السياسية وحيوية وادي السيليكون.
لم يعد خطابه يعتمد على النزعة القومية المتعصبة أو الحماس الثوري، بل يرتكز على رؤية وطنية شاملة تضع نهضة البلاد وتحديثها في صميمها، متناولةً التحديات الجغرافية ومستفيدةً من فرص العولمة.
فن الإيجاز: قوة الكلمة
يتميز أسلوب الشرع في التواصل ببراعته في تكثيف الرسائل السياسية في خطابات موجزة غنية بالمعاني. فعندما أعلن بدء معركة ردع العدوان في 27 نوفمبر 2024 كانت رسالته موجزة وحاسمة، تماماً كما كان خطاب النصر موجزاً وعميقاً. هذه البراعة في الإيجاز تحاكي ما يفعله القادة الحقيقيين على تلخيص مصائر الأمم في كلمات قليلة.
قصص رئاسية: الألفة الرقمية
أدرك الرئيس الشرع أن عهد الخطابات المطولة قد ولّى. فحوّل منشورات المناسبات الرسمية على وسائل التواصل الاجتماعي إلى “قصص” سردية قصيرة، خالقًا بذلك شعوراً بالألفة والتواصل العاطفي، وكأنه يهمس في أذن كل متابع. هذا ليس تلميعاً تقليدياً للصورة، بل هو، من منظور علم الاجتماع الرقمي، تحوّل نوعي في صياغة القيادة السياسية، حيث لم يعد العمق يُقاس بعدد الكلمات، بل بقدرة الكلمة الواحدة على حمل عوالم من المعاني.
أبجدية الحضارة
لم تكن الهدايا التي قدّمها الشرع لترامب في العاشر من نوفمبر – “أول أبجدية”، و”أول تعريفة”، و”أول نوتة موسيقية” – محض صدفة. بل كانت رسالة مدروسة تُعيد تعريف الهوية من خلال رموز الحضارة، بدلًا من الخطابات الأيديولوجية. تعتمد هذه الاستراتيجية على ما أسماه لوبون “التكرار”، مُعززةً مفاهيم الأصالة والتراث والقيادة المستنيرة حتى تترسخ في الوعي الجمعي.
في عصر تتشابه فيه البرامج السياسية وتتزايد فيه التحديات تعقيدًا، يبحث الناس عن بطل – ليس بالمعنى التقليدي، بل عن شخصية تُلهمهم، وتأسر إعجابهم، وتُشعرهم بالفخر. لقد استوعب الرئيس الشرع، من خلال صورته الدولية المُتقنة، وحضوره الإعلامي وثقته بنفسه، وخلفيته العسكرية، الدرس الأهم للوبون: في النهاية، يتبع الناس قلوبهم لا عقولهم. القائد الحقيقي هو من يعرف كيف يُخاطب القلب بلغة الهيبة والكاريزما.
________________
محمد حمدان (@mohdhhamdan) باحث في الدراسات الثقافية.
