في عالم المسرح، حيث يمتزج العاطفة بالفكر، قدّم اثنان من المفكرين الرواد خريطة شاملة لفهم سحره. يُمثّل كلٌّ من يوجينيو باربا، الأستاذ الإيطالي ومؤسس مسرح أودين، وباتريس بافيس، المفكر الفرنسي والناقد المسرحي، وجهين لعملة واحدة. إنّ الاكتفاء بأحدهما يُشبه رؤية المسرح بعين واحدة، بينما يُتيح النظر من خلالهما معًا اكتساب رؤية عميقة ثلاثية الأبعاد.

باربا: في مختبر الجسد البشري

تخيّل عالماً، لا يرتدي معطفًا أبيض، بل ملابس التدريب. لقد كان عمل يوجينيو باربا طوال حياته تجربة عظيمة تمحورت حول سؤال واحد: ما الذي يمنح المؤدي ذلك الحضور الآسر والجذاب الذي يأسر الجمهور قبل أن ينطق بكلمة؟

أطلق باربا على هذا البحث اسم “البحث عن المستوى ما قبل التعبيري”. إنه الأساس الذي تُبنى عليه جميع الشخصيات والقصص. لاحظ أن الفنانين العظماء، عبر مختلف الثقافات – من راقصي بالي إلى ممثلي الكوميديا ​​الإيطالية – يتشاركون مبادئ مشتركة في استخدام أجسادهم. وقد أطلق على هذا “أنثروبولوجيا المسرح”.

مفاهيمه الأساسية جسدية وعالمية:

الجسد المتمدد: جسد المؤدي ليس كأي جسد عادي، بل هو جسد استثنائي، مشحون بالطاقة والتركيز.

التوازن في التناقض: غالبًا ما يستخدم الممثلون “ساتس” (كلمة نرويجية تعني الاستعداد، كقطة على وشك الانقضاض)، مما يخلق توترًا ديناميكيًا من خلال الميل في اتجاه بينما تتجه طاقتهم في اتجاه آخر.

اقتصاد الحركة: يتم تقليل الحركة غير الضرورية إلى أدنى حد؛ كل إيماءة دقيقة ومحملة بالقصد.

بالنسبة لباربا، يُبنى المسرح من “الخلية” – جسد المؤدي المدرب والنابض بالحيوية. عمله بمثابة هدية للممثل، ودليل لصياغة أداة فنه.

بافيس: رسم خريطة البنية الثقافية الفوقية

إذا كان باربا في المختبر، فإن باتريس بافيس في منصة المراقبة، ممسكًا بتلسكوبه. لا ينصب اهتمامه على آلية الأداء بقدر ما ينصب على رحلته ووجهته. فبالنسبة لبافيس، المسرحية ليست مجرد قصة، بل هي سفينة شحن معقدة من الرموز الثقافية تبحر من ميناء إلى آخر.

ينصب اهتمامه الرئيسي على “التناقل الثقافي” أو “التفاعل بين الثقافات”. ويتساءل: ماذا يحدث عندما ترسو هذه السفينة، المحملة بالثروات الثقافية اليابانية، في ميناء جمهور أوروبي؟ كيف تُفرغ رموزها – قناع معين، إيماءة احتفالية، نغمة موسيقية – وتُترجم وتُفهم؟

مفاهيمه الأساسية تحليلية وسياقية:

الأداء كنظام: الممثل رمز واحد من بين رموز عديدة: الإضاءة، والأزياء، وتصميم الديكور، والصوت، كلها تتحدث لغة.

الرحلة عبر الثقافات: طوّر بافيس نماذج لتتبع كيفية فقدان المعنى أو تحوّله أو إعادة خلقه حتمًا عندما يعبر الفن الحدود، وهي عملية أطلق عليها اسم “تأثير الساعة الرملية”.

دور الجمهور: لا يُرسل المعنى، بل يُستقبل. فالخلفية الثقافية للجمهور هي المؤلف المشارك الأخير والأهم في العمل الفني.

بالنسبة لبافيس، وحدة التحليل هي “النظام البيئي”، أي الأداء الفني برمته كما هو موجود ضمن سياق ثقافي واجتماعي محدد.

التآزر: لماذا نحتاج إلى كلا المنظورين؟
إن النظر إلى هذين الرجلين كمتنافسين يُغفل جوهر الموضوع تمامًا. فهما متعاونان في مشروع عظيم لفهم المسرح بكل جوانبه.

لنتخيل مخرجًا معاصرًا يُخرج مأساة يونانية كلاسيكية متأثرة برقصة الكاثاكالي الهندية:

يبدأ الأمر مع باربا. يُدرّب ممثليه على مبادئ الطاقة الاستثنائية. يُركزون على حركات أقدامهم، وحركات أقدامهم، وحركات اليد الدقيقة والعضلية (مودرا) في الكاثاكالي، ليجدوا قوة جسدية كامنة.

ثم يُفكر مع بافيس. كيف سيقرأ جمهور نيويورك، غير المُلمّ بالكاثاكالي، هذه الإيماءات؟ هل سيرون غضب ملك، أم مجرد حركة غريبة ومُربكة؟ عليها الآن أن تُؤطّر هذه الحركات الجسدية بعناية من خلال الديكور والصوت، وربما ملاحظات البرنامج، لتوجيه استقبال الجمهور، مُجتازةً بذلك رحلة التبادل الثقافي التي رسمها بافيس ببراعة.

يُقدّم باربا “الأسلوب العملي” – أي التقنيات اللازمة لبناء عرض حيّ نابض بالحياة. بينما يُقدّم بافيس “دليل المستخدم” لضمان تواصل هذه الطاقة الحيوية مع الجمهور وإيصال رسالة محددة وقوية، بدلاً من أن تتبدد في دوامة من سوء الفهم.

نظرية موحدة للأداء

في عالم يزداد عولمةً، حيث أصبح التبادل الثقافي هو القاعدة، تكتسب الرؤية المشتركة لباربا وبافيس أهميةً بالغة. يُذكّرنا باربا بقدرتنا الإنسانية المشتركة على التعبير القوي – أرضية مشتركة في الجسد نفسه. بينما يُحذّرنا بافيس من ضرورة احترام الاختلاف، والتعامل مع تيارات الثقافة المعقدة بذكاء وحساسية.

معًا، يُشكّلان نظرية موحدة للأداء المعاصر: باربا، مهندس الجسد، يبني البيت. وبافيس، واضع خريطة المعنى، يضمن أن يكون له عنوان وأن يتمكن كل مدعو من إيجاد الباب. بالنسبة لكل من يُبدع أو يدرس أو يُحب المسرح، فإن فهم هذا الثنائي المؤثر ليس مجرد أمر أكاديمي – بل هو ضروري لرؤية الصورة الكاملة الرائعة.

محمد حمدان* كاتب مسرحي وباحث في الدراسات الثقافية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *