لم يولد المسرح السوري أبدًا من لحظة افتتان بالغرب أو كمحاكاة لفن مستورد. لقد كان دائمًا الابن المتجذر لبيئته، والتجسيد الحي لروح الفرجة والاحتفال التي نبضت في قلب هذه الأرض منذ آلاف السنين.
فهذه الروح نفسها هي التي جعلت من سوريا مهد الطقوس الديونيسية، وأرضًا خصبة لفنون الحكواتي وخيال الظل، ولاحقًا منصة أول مسرح عربي حديث أسسه أبو خليل القباني. يتتبع هذا المقال نسب المسرح السوري، ليس كتاريخ خطي للأسماء والعروض، بل كقصة مستمرة من الحوار بين المقدس والدنيوي، والطقوسي والاحتفالي، والجماعي والفردي.
جذور ضاربة في التاريخ ومساقات ثقافية متشابكة
تشكل أسطورة ديونيسوس (باخوس)، الإله المتجول، النموذج الأصلي لفكرة الموت والبعث المرتبطة بدورة الطبيعة والزراعة. ففي طقوس “الديونيسيات”، كان المصلون يغادرون المدن إلى الجبال، حيث يرقصون ويغنون في حالة من النشوة تُطلق الغريزة وتذوب حدود الذات الفردية في بوتقة الجماعة. وكما يشير أرسطو في “فن الشعر”، فإن التراجيديا ذاتها نشأت من قادة الديثيرامب – ذلك النشيد الديونيسي الجماعي الذي يُؤدى في حلقة، مصحوبًا بالرقص والموسيقى الصاخبة.
لم تكن سوريا مجرد على هامش هذه الظاهرة بل كانت مركزًا فاعلاً. وتشهد على ذلك أدلة أثرية مذهلة، مثل المسرح الروماني في بصرى بسعة خمسة عشر ألف متفرج، وفسيفساء “ديونيسوس” في شهبا التي تصور الإله في موكبه الانتصاري محاطًا بحاشيته الأسطورية، والنقوش والتماثيل في تدمر وأفاميا المكرسة لـ “ديونيسوس، إله الخمر والفرح”.
تفاعلت روح ديونيسوس مع طقوس محلية أقدم وأكثر تجذراً، مثل طقوس أدونيس في فينيقيا والساحل السوري، حيث كانت النساء تزرع “حدائق أدونيس” سريعة الذبول ثم تندبهن في مشهد درامي جماعي، وطقوس عشتار (إينانا) في تدمر وحَران، والتي كانت تتضمن رقصات موكبية وموسيقى صاخبة، كلها تهدف إلى استجلاب القوى الخلاقة والخصبة.

(من مسرحية الملك هو الملك)
فنون الفرجة الشعبية: ذاكرة شفوية وجسد حي
في المقاهي والأزقة والساحات العامة، وُلد نوع مختلف من “الفرجة”، لا يحتاج إلى منصة مرتفعة أو تذاكر دخول. في مقهى “النوفرة” بدمشق، كان الحكواتي يجلس على كرسيه المرتفع قليلاً، مع مسبحته وعصاه، يروي ملاحم الأبطال عبر أداء حي يحول السرد إلى دراما والمستمع إلى شريك في خلق المعنى، كما يلاحظ الباحث شاكر عبد الحميد. وفي المقاهي الشعبية، قدم فن خيال الظل (كراغوز وعيواظ) حوارات هزلية باستخدام دمى جلدية تسخر نقدًا من الحاكم الجائر والتاجر المحتال والشخصية الدينية المنافقة برمزية لاذعة، كما في قول كراغوز: “يا جماعة الدنيا صارت غريبة… اللي ما معه فلوس كلامه ما اله وزن!”
وفي الفضاءات الدينية والصوفية، مثل التكية السليمانية في دمشق أو الزوايا في حلب، كان الإنشاد والدوران المتكرر للدراويش بأرديتهم البيضاء يخلق حالة من النشوة الجماعية تحول الطقس إلى أداء جمالي. وفي الاحتفالات الشعبية، عبرت رقصة الدبكة عن تماسك المجتمع عبر حركة الأقدام المتزامنة، بينما كثف الموال مأساة حب وفراق كاملة في دقائق معدودة من الغناء المكثف.
أبو خليل القباني: لحظة التأسيس والتحول
في مناخ هذا الثراء، وُلد المسرح الحديث في دمشق عبر تقاطع عدة عوامل: تنوع ثقافي فريد، وحركة تجارية نشطة، وإرث غني من الفنون الشعبية، ونخبة مثقفة تجتمع في الصالونات الأدبية. من هذه البيئة برز أحمد أبو خليل القباني (1841-1903)، الذي نشأ على مشاهدة عروض الحكواتي وخيال الظل، لكنه أدرك محدودية الشكل السردي المحض. يقول في مذكراته: “رأيت في حكايات القصّاص والحكواتي بذور مسرح عظيم، تحتاج فقط إلى من يصقلها”.
قدم القباني أول عرض مسرحي مستقل له عام 1871 بعنوان “الشيخ وَضَّاح ومصباح وقوت الأرواح”، جامعًا بين الموسيقى والغناء (متأثرًا بالسماع الصوفي والمولد النبوي)، والحوار الدرامي (تطورًا عن أسلوب الحكواتي)، والرقص المُنتظم (مستلهمًا من الدبكة والرقصات الشعبية)، مع الحفاظ على روح الارتجال والعفوية. لكن هذا التجديد واجه مقاومة شرسة من التيارات المحافظة التي رأت في فنه انتهاكًا للقيم، كما ورد في عريضة تقدّم بها علماء دين عام 1883: “ما يفعله هذا الرجل من التمثيل والرقص والخلط (بين الجنسين) فيه من المحرمات الشرعية الكثير، وهو يصرف الناس عن ذكر الله وعن الصلاة…”
مسرح القرن العشرين: بين الدولة والهوية والمقاومة
شهدت النصف الأول من القرن العشرين تحول المسرح السوري إلى مؤسسة فنية، حيث بدأت الدولة ترعاه كأداة لبناء الهوية الوطنية. لكن صدمة هزيمة 1967 أحدثت تحولاً جذريًا، فانتقل المسرح من تمجيد البطولة التاريخية إلى نقد الذات والواقع المر، وهو ما ظهر جليًا في أعمال سعد الله ونوس، الذي قدم عام 1968 مسرحية “سهرة من أجل الخامس من حزيران”، التي حطمت الوهم المسرحي باستخدام تقارير إخبارية حقيقية وحولت الجمهور من متلقين سلبيين إلى شركاء في التحليل النقدي.

(الصورة: الكاتب المسرحي الراحل سعد الله ونوس / مأخوذة من الإنترنت ونشرت في إطار الاستخدام العادل، الحقوق محفوظة لأصحابها)
وصل هذا المسرح النقدي ذروته مع مسرحية “الملك هو الملك” (1977)، التي قدمت نقدًا لاذعًا لعلاقة السلطة بالشعب عبر قصة من التراث، مستخدمة الكوميديا السوداء وفكرة “السلطة كمسرح”. وفي هذا المناخ، تعددت التيارات المسرحية بين التجريبي والشارعي والجامعي ومسرح الطفل، مما أثرى المشهد وحافظ على حيويته.
تحولات القرن الحادي والعشرين: من الأزمة إلى المرونة
قبل عام 2011، كان المسرح السوري يعيش ازدهارًا نسبيًا مع تأسيس مهرجان دمشق المسرحي وانتشار العروض التجريبية، لكنه عانى أيضًا من بيروقراطية الدولة وأزمة النص المسرحي ومنافسة وسائل الإعلام الحديثة. مع اندلاع الأزمة، تحول المسرح فجأة إلى فن للمقاومة ووسيلة للتوثيق، فقُدمت العروض في بيوت الناس وأقبيتها وعلى الشرفات. وظهرت أشكال مبتكرة، مثل مسرح الباص المتنقل، والمسرح الرقمي عبر الإنترنت، والمسرح الوثائقي الذي سجل الأحداث بلغة درامية.

(مسرح في قبو خلال سنوات الأزمة)
برز في هذه المرحلة دور المرأة في المسرح، حيث تطور من ممثلات في أدوار نمطية إلى مخرجات وكاتبات وقائدات لفرق مستقلة تعالج قضايا المرأة والمجتمع من منظور جديد. كما تشكلت أجيال مسرحية جديدة: جيل الأزمة المهتم بالبقاء والتوثيق، وجيل المنفى حاملًا هم الانتماء والذاكرة في الشتات، وجيل ما بعد 2018 المفكر في إعادة البناء والمصالحة.
نحو مستقبل يحمل الذاكرة ويبني الجسور
أثبت المسرح السوري، في رحلته الطويلة، قدرة فريدة على التحول والمرونة، محولًا المآسي إلى طاقة إبداعية، والنزوح إلى فرص للنشر، والذاكرة الأليفة إلى مادة لفن ذي معنى. وهو يتطلع اليوم إلى مرحلة إعادة البناء عبر إنشاء مراكز توثيق، وتطوير “مسرح المصالحة” الذي يعالج جراح الماضي، وتبني الأشكال الرقمية المعاصرة، وبناء جسور بين المسرح داخل سوريا وفي الشتات.

(من مسرحية “الخوف من التنفس”)
في النهاية، يبقى المسرح السوري حوارًا مستمرًا بين الماضي والحاضر، والفرد والجماعة، والتراث والحداثة، والواقع والحلم. حوار لن يتوقف، لأنه يشبه الحياة نفسها في سوريا، المعقدة، الصعبة، المؤلمة أحيانًا، لكنها دائمًا تستحق أن تُحكى، وأن تُعاش، وأن تُخلّد على الخشبة.
محمد حسين حمدان، كاتب مسرحي وباحث في الدراسات الثقافية.
