في قلب الشرق الأوسط، حيث تلتقي القارات وتتصادم الحضارات، تدور معركةٌ لا تقلّ ضراوةً عن تلك التي تُخاض بالجيوش والطائرات. إنها معركة الروايات – صراعٌ على سرد التاريخ، والذاكرة الجماعية، والحق في رواية القصة. سؤالان بسيطان يخفيان وراءهما قرنًا من الدماء والدموع: لمن هذه الأرض؟ ولمن هذا التاريخ؟

الرواية الأولى: سوريا الكبرى… وحدةٌ عضويةٌ مُمزّقة

تتحدث الرواية الأولى عن أرضٍ واحدةٍ تُدعى بلاد الشام (سوريا الكبرى)، امتدت تاريخيًا من البحر الأبيض المتوسط ​​إلى الصحراء، من حلب إلى العقبة. لم تكن مجرد جغرافيا، بل كانت نفسيةً جماعيةً متكاملة، كما يصفها المؤرخ فيليب حتي.

كانت دمشق وحلب والقدس وبيروت وعمّان حباتٍ على خيطٍ واحد، يربطها التجار والفلاحون والعلماء، وتتحرك القوافل بينها كما يتحرك الدم في الجسد. يكشف كمال صليبي كيف شكّلت جبال لبنان ووديان فلسطين وسهول سوريا نسيجًا ديموغرافيًا متداخلًا، حيث كان الناس يعبرون الحدود الطبيعية بسهولة كما يعبرون شوارع قراهم.

يروي هذا السرد قصة تقسيم مصطنع: خطوط رُسمت على طاولات في لندن وباريس عام ١٩١٦، اتفق عليها مارك سايكس وفرانسوا جورج بيكو، فصلت ما لا ينفصم وأوجدت كيانات هشة تُسمى “دولًا”. كان هذا، كما يوثق ديفيد فرومكين، ولادةً مريضة لمنطقة جديدة، تحمل في أحشائها بذور جميع الصراعات المستقبلية.

السرد الثاني: الأرض الموعودة… وعد إلهي تحوّل إلى مشروع سياسي

في مقابل هذا السرد، يوجد سرد آخر، يروي قصة شعب يعود إلى أرضه بعد ألفي عام، حاملًا وعدًا إلهيًا وذكرى اضطهاد. إنه سرد يبدأ بالكتاب المقدس وينتهي بالدبابة والمستوطنة.

حوّل زئيف جابوتنسكي هذا الحلم الديني إلى مشروع سياسي توسعي، مُصرًّا على إقامة “إسرائيل على ضفتي نهر الأردن”، ومُنظِّرًا لـ”الجدار الحديدي” باعتباره السبيل الوحيد للتعامل مع العرب الذين “لن يقبلونا أبدًا”. ثم ظهرت الصهيونية الدينية، كما درسها جدعون آران، مُحوِّلةً الاستيطان من سياسة إلى وصية دينية، والقدس من مدينة إلى رمز للخلاص.

لكن هذه الرواية تحمل في طياتها تساؤلات مُقلقة: ماذا عن السكان الأصليين؟ وكيف نفسر طرد 700 ألف فلسطيني عام 1948؟ هنا، تتفرع الرواية إلى روايات فرعية: رواية التطهير العرقي الممنهج، كما وصفها إيلان بابيه، ورواية التهجير كضرورة عسكرية، كما بررها بيني موريس، ورواية التهجير كاستراتيجية مُدبَّرة، كما كشفها نور مصالحة.

السردية الثالثة: الصمود والمقاومة… ذاكرة لا تموت

بين هاتين السرديتين العظيمتين، تنمو سردية ثالثة، سردية الشعب الذي رفض أن يُطمس. حفظها وليد خالدي في موسوعته الضخمة، قريةً قرية، بيتًا بيتًا. ونقلها غسان كنفاني في رواياته، حيث يصبح النزوح قصة إنسانية أبدية. ووثقتها نور مصالحة في أرشيفها، وهي مقاومة مسلحة وامرأة صامدة.

ترفض هذه السردية أن تكون مجرد هامش في تاريخ الآخر، وتصر على أن تكون فصلًا محوريًا في تاريخ المنطقة. إنها ليست مجرد رد فعل، بل وجود مستمر، وذاكرة حية، وهوية لا تقبل المساومة.

السردية الرابعة: النقد من الداخل… عندما يشكك الأطفال في رواية آبائهم

في صميم الروايات المتنافسة للصراع، تكمن سردية رابعة حاسمة: النقد الداخلي. هذا صوت المعارضين والباحثين من داخل المجتمعين العربي الفلسطيني والإسرائيلي اليهودي، الذين يجرؤون على تحدي الأساطير التأسيسية لجانبهم. من جهة، يشمل هذا الصوت مثقفين عربًا ينتقدون إخفاقات القومية ما بعد الاستعمارية، وتأملًا فلسطينيًا في القيادة والبنى الاجتماعية.

في الوقت نفسه، يشمل هذا الصوت “مؤرخين جددًا” إسرائيليين يُفككون أساطير الدولة حول أحداث عام ١٩٤٨، وعلماء اجتماع نقديين يُؤطرون إسرائيل كدولة عرقية، ويهودًا مناهضين للصهيونية يفصلون بين الإيمان والمشروع السياسي. ورغم إدانة مجتمعاتهم لهم غالبًا بوصفهم خونة، فإن هؤلاء النقاد الداخليين يؤدون عملًا حيويًا وشاقًا يتمثل في استبدال التبسيطات البطولية بحقائق معقدة، مُجادلين بأن الاعتراف بالجراح التاريخية والقصور الأخلاقي هو الأساس الوحيد لمستقبل يسوده الكرامة المشتركة.

الخلاصة: هل من أمل في سردية مشتركة؟

الخلاصة: هل من أمل في سردية مشتركة؟ اليوم، نواجه مأزقًا سرديًا خطيرًا: فكل رواية تُقدّم نفسها على أنها “الحقيقة المطلقة” وترفض الأخرى باعتبارها “باطلًا” أو “خرافة”. الأرض نفسها تتحدث بألسنة متعددة: حجارة الكنعانيين، وآثار الرومان، ومساجد المسلمين، وكنائس المسيحيين، ومعابد اليهود.

السؤال ليس: أي رواية هي الصحيحة؟ فلكل رواية جانبٌ من جوانبها من الحقيقة، وكلٌّ ينتمي إلى هذه الأرض المعقدة.

السؤال الأهم هو: هل نستطيع أن نتعايش مع تعدد الروايات؟ هل نستطيع بناء مستقبل لا يطلب من أحد أن يتخلى عن ذاكرته، بل يطلب من الجميع الاعتراف بذاكرة الآخر؟

لعلّ الإجابة تكمن في متاحف التاريخ المشترك، وفي مناهج تعليمية تُعلّم التفكير النقدي بدلًا من التلقين، وفي وسائل إعلام تبني جسورًا بدلًا من إدامة الكراهية. وربما تكمن في رواية جديدة لم تُكتب بعد، تروي كيف تعلّم أبناء هذه الأرض التحوّل من أعداء يتقاسمون الأرض إلى شركاء يبنون مستقبلًا مشتركًا.

فالأرض واسعة بما يكفي للجميع، لكن الروايات الجامدة تجعلها ضيقة على الجميع. والتاريخ ليس ملكًا لأحد؛ إنه حوار لا ينتهي بين الماضي والحاضر، بين الذاكرة والنسيان، بين الحقائق والأحلام.

الأرض هنا. والتاريخ هنا. والسؤال ينتظر إجابة: أيّهما سيسود؟ رواية الصراع الأبدي، أم رواية التعايش المستحيل؟

محمد حسين حمدان، باحث في الدراسات الثقافية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *