في رحاب الجامع الأموي العريق، حيث تتداخل همسات التاريخ مع همسات السياسة، تتكشف معركة خفية حول هوية سوريا ما بعد عام ٢٠٢٤. ما كان لقرون مجرد معلم أثري شاهد على صعود الحضارات وسقوطها، تحوّل فجأة إلى منبر للصراع على الهوية وبناء الشرعية في أمة أنهكتها الحرب.

من على منبر هذا الصرح العريق، حيث وقف الخلفاء والأمراء عبر العصور، أُلقيت خطابات النصر من قِبل القيادة الجديدة في ديسمبر ٢٠٢٤، مشهدٌ يُجسّد التحوّل الجذري للجامع من مكان عبادة إلى منبر للحوار السياسي المعاصر.

استحضار الماضي لرسم ملامح المستقبل

وسط تحوّلات كبرى، تُعيد سوريا اكتشاف هويتها باستحضار أمجاد الدولة الأموية، لا كحنين إلى حقبة ولّت، بل كخارطة طريق لمستقبل مُحتمل. دمشق، التي كانت عاصمة أول دولة إسلامية امتدت من حدود الصين إلى جنوب فرنسا، تسعى اليوم لاستعادة مكانتها في مشهد إقليمي مضطرب.

معارك على جدران تاريخية وهوية المكان

تحت قباب المسجد، في زواياه الخفية، تدور معركة وجودية محتدمة، تتجاوز الصراع على الحجارة إلى صراع على المعنى. جرن المعمودية المسيحي الذي شهد تعاقب الحضارات، والنقوش اليونانية التي تحمل بصمات التاريخ، أصبحت ساحات لصراعات الهوية. شهد المسجد محاولات عديدة لتحويله إلى أداة طائفية عبر طقوس دخيلة ورموز أجنبية، سعياً لطمس طابعه الجامع.

عودة يوحنا الدمشقي: نموذج للتعايش الأصيل

وسط هذه العواصف، يبرز اسم يوحنا الدمشقي من أعماق التاريخ ليقدم نموذجاً للسوريين الجدد. هذا الرجل، الذي شغل منصب وزير المالية في الخلافة الأموية رغم كونه مسيحيًا، يجسد جوهر الهوية السورية القائمة على الجدارة والتعددية. إنه يذكرنا بأن سوريا العظيمة بُنيت على الانفتاح واستغلال المواهب بغض النظر عن الانتماءات.

التحرير: رحلة اكتشاف الذات

لم تكن لحظة “التحرير” مجرد استعادة للمكان، بل كانت رحلة لاكتشاف الهوية السورية المفقودة. فبينما كان السوريون يتجولون في أروقة مسجدهم بعد سنوات من الحرمان، أعادوا اكتشاف هويتهم طبقةً تلو الأخرى. قاعة الشرف التي كانت حكرًا على النخبة، والمخطوطات التي ظلت حبيسة المخازن لفترة طويلة، أصبحت جميعها ملكًا عامًا. لم تكن عملية الترميم مجرد إصلاح للأحجار، بل إعادة بناء للروح السورية المجروحة.

التحديات: جاذبية الماضي ومتطلبات المستقبل

مع ذلك، فإن رحلة البحث عن الهوية في متاحف الماضي تنطوي على مخاطر جسيمة. استحضار أمجاد الأمويين أشبه بخوض غمار حقل ألغام من التساؤلات الوجودية: كيف نستلهم من الماضي دون الوقوع في فخ التقليد الأعمى؟ كيف نحول الرموز التاريخية إلى مشاريع مستقبلية دون أن تتحول إلى أدوات طائفية؟

يُخيّم شبح “القراءة الانتقائية” على هذا المشروع، إذ شهدت الدولة الأموية إنجازات حضارية باهرة، لكنها عانت أيضاً من صراعات دامية وانقسامات عميقة. يكمن التحدي الأكبر في سد الفجوة بين نموذج الخلافة التاريخي ومتطلبات الدولة الحديثة، وكيفية ترجمة خطاب التسامح التاريخي إلى سياسات واقعية تستوعب تنوع سوريا المعاصرة.

بين الماضي والمستقبل: الجسر وورشة العمل

اليوم، يقف الجامع الأموي جسراً يربط ماضي سوريا وحاضرها ومستقبلها. في حجارته أسرار التعايش الديني، وفي قبابه تتألق تطلعات أمة تسعى إلى هويتها. إنه ليس مجرد مبنى، بل هو وعاء للذاكرة الجماعية وورشة عمل لصياغة المستقبل.

يبقى السؤال الوجودي مطروحًا: هل تستطيع سوريا استخلاص العبر من الماضي دون أن تبقى أسيرة له؟ هل يمكن تحويل الرمزية من أداة للصراع إلى جسر للمصالحة؟ يكمن الجواب في القدرة على تحويل أحجار التاريخ إلى لبنات بناء لمستقبل يتسع للجميع.

_________________________

هذا المقال مُقتبس من دراسة أكاديمية لمحمد حسين حمدان حول تحولات الرمزية السياسية للمسجد الأموي في سوريا المعاصرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *